توجهات قطاع التشييد والبناء 2026: من الذكاء الاصطناعي إلى التشييد خارج الموقع
يشهد عام 2026 تحولات جذرية في صناعة البناء والتشييد، حيث لم تعد التحديات مقتصرة على الجوانب الفنية فقط، بل امتدت لتشمل إدارة سلاسل الإمداد، ونقص العمالة الماهرة، والضغوط المتزايدة للتحول نحو الاستدامة والحياد الكربوني [1]. في هذه المقالة، نستعرض أبرز التوجهات الكبرى التي تعيد تشكيل قطاع التشييد هذا العام، مع التركيز على الحلول التكنولوجية والإدارية التي تمكن الشركات من البقاء في الصدارة.
١. توقعات السوق: تباطؤ عام وقطاعات واعدة
وفقاً لتقرير معهد المهندسين المعماريين الأمريكيين (AIA) لشهر يناير 2026، يشهد قطاع البناء غير السكني تباطؤاً في النمو مع تفاوت واضح بين القطاعات [2]. بينما يشهد قطاع المكاتب التقليدية ومراكز البيانات تحولات متباينة، نجد أن:
- قطاع مراكز البيانات: يحقق نمواً قوياً مدفوعاً بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي [2].
- القطاع الصحي: يشهد نمواً مطرداً بفضل الديموغرافيا (شيخوخة السكان) [2].
- قطاع التعليم: يعاني من ركود بسبب انخفاض أعداد الطلاب [2].
- قطاع التصنيع: يمر بمرحلة تصحيح بعد النمو الهائل في السنوات الماضية [2].
٢. نقص العمالة الماهرة: إعادة تشكيل تخطيط المشاريع
يظل نقص العمالة الماهرة أحد أكبر التحديات في 2026. تشير تقديرات Associated Builders and Contractors إلى حاجة القطاع لجذب مئات الآلاف من العمال الجدد سنوياً [3]. هذا النقص يدفع الشركات إلى:
- التحول نحو الأنظمة الجاهزة (Prefabrication): لتقليل الاعتماد على العمالة في الموقع [3].
- الاستثمار في تتبع إنتاجية العمل: باستخدام أدوات رقمية لقياس الأداء وتحليل تكاليف العمالة بدقة [4].
- تدريب وتأهيل الكوادر الحالية: بدلاً من الاعتماد فقط على استقطاب كوادر جديدة في سوق عمل محدود [3].
٣. التشييد خارج الموقع والبناء باللوائح الجاهزة: يتجاوز نقطة التحول
ما كان يُعتبر اتجاهاً ناشئاً أصبح اليوم استراتيجية أساسية. يؤكد تقرير صادر عن McKinsey والمنتدى الاقتصادي العالمي أن البناء باللوائح الجاهزة (Panelized Construction) والوحدات النمطية (Modular) أصبح ضرورة لمواجهة تحديات العمالة والجداول الزمنية الضاغطة [5].
الفوائد التي تدفع هذا التوجه:
- تخفيض الجداول الزمنية: بنسبة تتراوح بين 20% إلى 50% وفقاً Dodge Construction Network [5].
- تحكم أعلى بالجودة: بفضل التصنيع في بيئة معملية محكمة [5].
- تقليل الهدر في الموقع: وزيادة الأمان والحد من الاضطرابات [5].
٤. الذكاء الاصطناعي ونمذجة معلومات البناء (BIM): من الرفاهية إلى الضرورة
يشهد عام 2026 نضجاً في تبني التقنيات الرقمية. لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تجريبية، بل أصبح جزءاً أساسياً من سير العمل [4].
- المساعدون الأذكياء (AI Copilots): تظهر تطبيقات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل نماذج BIM، واستخراج الكميات، وإنشاء تقارير التنسيق تلقائياً [4].
- التوأم الرقمي (Digital Twins): يتحول من أداة تصميم إلى منصة متكاملة لإدارة المرافق، تدعم الصيانة التنبؤية وتحسين استهلاك الطاقة [4].
- التكامل بين BIM والبيانات المالية: ربط نماذج البناء مباشرة بجداول التكاليف والمواعيد لتحديث الأداء بشكل شبه فوري [4].
٥. ابتكارات المواد المستدامة: الفحم الحيوي والطين المكلس
في مجال المواد، تؤكد شركة Holcim الرائدة أن عام 2026 سيشهد تسارعاً في تبني مواد منخفضة الكربون على نطاق تجاري واسع [6]. أبرز هذه المواد:
- الفحم الحيوي (Biochar): يُنتج من تحويل النفايات العضوية إلى مادة شبيهة بالفحم تحتجز الكربون، ويمكن دمجه في الخرسانة والأسمنت [6].
- الطين المكلس (Calcined Clay): بديل منخفض الكربون للكلنكر في صناعة الأسمنت، يساهم في خفض البصمة الكربونية بنسبة تصل إلى 50% [6].
- إعادة تدوير الخرسانة: تقنيات تكسير متطورة تسمح بفصل مكونات الخرسانة وإعادة استخدامها مرة أخرى في خرسانة جديدة (ECOCycle) [6].
٦. التركيز على الكربون الكامن (Embodied Carbon) والمعايير البيئية
يتحول الاهتمام من الكفاءة التشغيلية فقط إلى تقييم دورة الحياة الكاملة للمبنى. الكربون الكامن (الانبعاثات الناتجة عن تصنيع ونقل المواد) يمثل اليوم 20-50% من البصمة الكربونية للمباني عالية الأداء [1].
هذا التحول يعني:
- الاعتماد على إعلانات المنتجات البيئية (EPDs): لتصبح معياراً أساسياً في المشتريات [1].
- سياسات "Buy Clean": في بعض الولايات الأمريكية تلزم المقاولين بالإفصاح عن الكربون الكامن في المواد [1].
- برامج محاكاة الكربون: دمج أدوات تقدير الكربون مع أنظمة BIM لاختيار المواد الأكثر استدامة [1].
٧. الشفافية وإدارة التدفق النقدي
مع استمرار الغموض الاقتصادي، تصبح إدارة التدفقات النقدية أولوية قصوى. يتوقع خبراء Deltek أن تركز شركات المقاولات في 2026 على [7]:
- تقارير العمل تحت التنفيذ (WIP) في الوقت الفعلي.
- دقة الاعتراف بالإيرادات.
- التكامل بين البيانات المالية وبيانات الموقع: لضمان رؤية موحدة للأداء.
- تلبية توقعات الملاك (Owners): الذين يطلبون شفافية أكبر بالتكاليف والجداول الزمنية [7].
الخلاصة: عام التكيف والمرونة
يُجمع الخبراء على أن عام 2026 سيكون عام "القيمة مقابل الحجم" [2]. النجاح لن يكون حكراً على من ينفذ مشاريع أكثر، بل لمن ينفذها بكفاءة أعلى، وشفافية أكبر، وتأثير بيئي أقل. الشركات التي تتبنى الأنظمة الجاهزة، وتوظف الذكاء الاصطناعي في إدارة مشاريعها، وتتحول نحو المواد منخفضة الكربون، هي التي ستقود السوق في السنوات القادمة.
ما رأيك في هذه التوجهات؟ شاركنا تجربتك في التعليقات!
المراجع
- [1] World Green Building Council. (2025). "Embodied Carbon Report: A Global Call to Action". تقرير سنوي عن الكربون الكامن في مواد البناء.
- [2] The American Institute of Architects (AIA). (يناير 2026). "AIA Consensus Construction Forecast". توقعات نصف سنوية لقطاع البناء غير السكني.
- [3] Associated Builders and Contractors (ABC). (2025). "2025 Workforce Shortage Analysis". تحليل سنوي لنقص العمالة في قطاع البناء الأمريكي.
- [4] Deltek. (2025). "2025 Engineering and Construction Industry Study". دراسة شاملة عن تبني التكنولوجيا في قطاع الهندسة والبناء.
- [5] McKinsey & Company & World Economic Forum. (2025). "The Next Generation of Construction: Scaling Off-Site Manufacturing". تقرير مشترك حول البناء خارج الموقع.
- [6] Holcim Group. (2025). "Sustainability Report 2025: Building Progress". تقرير الاستدامة السنوي وابتكارات المواد منخفضة الكربون.
- [7] Dodge Construction Network. (2025). "SmartMarket Report: Financial Management in Construction". تقرير عن أفضل ممارسات الإدارة المالية في المقاولات.
الكلمات المفتاحية: تشييد 2026، بناء خارج الموقع، البناء الجاهز، نقص العمالة في البناء، الذكاء الاصطناعي في البناء، BIM، الكربون الكامن، مواد بناء مستدامة، فحم حيوي، طين مكلس، توقعات البناء 2026.
