المباني الشاهقة: المتطلبات والأنظمة الإنشائية
لكي ينجح المبنى الشاهق (Tall Building) أو ناطحة السحاب (Skyscraper)، يجب أن يستخدم هيكله أنظمة ومواد مناسبة لارتفاع المبنى وتكوينه المعماري. يجب أن يعمل النظام الإنشائي بكفاءة وأن يتيح تنفيذاً فعالاً. يتطلب المبنى الشاهق الناجح توافر الخصائص التالية:
- تقديم صورة جذابة وملائمة تحقق قيماً إيجابية للملاك والمستخدمين والمشاهدين.
- ملاءمة الموقع مع توفير مناهج مناسبة وتخطيط جيد للعيش والعمل والمرافق.
- كفاءة في استهلاك الطاقة مع توفير مناخ داخلي يمكن التحكم فيه.
- مرونة في تخطيط المكاتب الإدارية مع إمكانية التقسيم بسهولة.
- توفير واجهات موجهة تتيح أفضل المناظر الطبيعية.
- الاقتصادية من حيث التكلفة والتنفيذ.
في عام 1969، صنف المهندس فضل الرحمن خان (Fazlur R. Khan) الأنظمة الإنشائية للمباني الشاهقة وفقاً لارتفاعها مع اعتبارات الكفاءة، في شكل مخططات عُرفت باسم "مرتفعات الأنظمة الإنشائية" (Structural Systems Height Charts). كان هذا التصنيف بداية حقبة جديدة في تصميم ناطحات السحاب من حيث تنوع الأنظمة الهيكلية.
لاحقاً، قام خان بتطوير هذه المخططات وأضاف إليها تعديلات، وقدم تصنيفات منفصلة للهياكل الفولاذية والخرسانية. وأكد خان أن الهيكل الفولاذي التقليدي الذي سيطر على تصميم وبناء المباني الشاهقة لفترة طويلة لم يكن النظام الوحيد المناسب لهذا النوع من المباني.
قدم Bungale S. Taranath [1] جدولاً يوضح الأنظمة الإنشائية المناسبة للمباني العالية الخرسانية المسلحة، كما هو موضح في الجدول أدناه.
|
| الجدول 1: الأنظمة الإنشائية المناسبة للمباني العالية الخرسانية [1] |
سنقدم وصفاً موجزاً للأنظمة الإنشائية المتنوعة والشائعة للمباني الشاهقة في الأقسام التالية. يجب أن يكون النظام الإنشائي المختار قادراً على حمل أنواع مختلفة من الأحمال: أحمال الجاذبية (الموتة والحية)، الأحمال الجانبية (الرياح والزلازل)، بالإضافة إلى أحمال درجات الحرارة والانفجارات والصدمات. كما يجب أن يظل انحراف (انجراف) المبنى (Drift) ضمن الحدود المسموحة، مثل H/500 (ارتفاع المبنى مقسوماً على 500).
أنواع الأنظمة الإنشائية للمباني الشاهقة
١. أنظمة الأعمدة والبلاطات (Column and Slab Systems)
تتكون الأرضيات الخرسانية في المباني الشاهقة غالباً من أنظمة بلاطات باتجاهين (Two-way Slabs) مثل: البلاطات المسطحة (Flat Slabs)، أو البلاطات اللاكمرية (Flat Plates)، أو نظام الوافل (Waffle System)، والتي يمكن أن تقاوم الأحمال الجانبية ضمن حدود معينة.
- البلاطات المسطحة (Flat Slabs): تتكون من بلاطة خرسانية بسمك منتظم تستند مباشرة على الأعمدة، وقد تستخدم تيجاناً (Capitals) أو دروباً (Drop Panels) لتقليل السمك عند الأعمدة حيث تكون عزوم القص أكبر.
- نظام الوافل (Waffle System): يتكون من صفوف من الروافد (الكمرات، الأعصاب) متعامدة مع بعضها البعض، وتُستخدم القباب أو البلوكات المفرغة بينها، مع ترك مناطق صلبة حول الأعمدة لزيادة قدرة البلاطة على مقاومة العزوم وقوى القص [7].
يمكن استخدام هذه الأنظمة كجزء من نظام مقاومة الرياح للمباني التي يتراوح ارتفاعها بين 10 و 20 طابقاً.
٢. الإطارات الصلبة (Rigid Frames)
يتميز الإطار الصلب بقدرته على مقاومة العزوم من خلال اتصالات الكمرات والأعمدة. الإطارات الداخلية الصلبة للمباني المكتبية قد تكون غير فعالة للأسباب التالية:
- عدد الأعمدة في أي إطار محدد محدود بسبب الاعتبارات المعمارية.
- غالباً ما يكون عمق الكمرات محدوداً بالارتفاع بين الأدوار (Floor-to-Floor Height).
لذلك، يُستخدم المحيط الخارجي للمبنى لتوفير أعمدة متقاربة وكمرات عميقة، مما يشكل إطاراً فعالاً. تزداد كفاءة الإطار الصلب باستمرارية العناصر التي تقلل العزوم الموجبة في الكمرات [1]. من مزايا الإطار الصلب: البساطة، ملاءمة الأشكال المستطيلة، وحرية التخطيط الداخلي والخارجي.
تعتبر الإطارات الصلبة اقتصادية للمباني حتى 25 طابقاً. أما للارتفاعات الأكبر، فيصبح التحكم في الانجراف (Drift) مكلفاً. لكن عند دمج الإطارات الصلبة مع جدران القص، يمكن أن تصل الكفاءة إلى 50 طابقاً أو أكثر [1].
تتحكم الصلابة الأفقية للإطار الصلب بمقاومة الانحناء للكمرات والأعمدة والوصلات، وكذلك بالصلابة المحورية للأعمدة. الإطارات الصلبة ليست فعالة للمباني التي تزيد عن 30 طابقاً لأن تشوه القص الناتج عن انحناء الأعمدة والكمرات يسبب انحرافات مفرطة [3].
الإطارات المدعمة (Braced Frames): هي إطارات مقاومة للعزوم مزودة بدعامات قطرية (X، K، أو Knee braces). تُستخدم الإطارات الفولاذية المدعمة في النوى الداخلية لتسهيل التوصيلات، وقد تكون أنظمة مركبة (Composite) تجمع بين الفولاذ والخرسانة.
٣. أنظمة إطار جدار القص (Shear Wall-Frame Systems)
في هذا النظام، تُقاوم الأحمال الأفقية من خلال مزيج من جدران القص والإطارات الصلبة [9]. توضع جدران القص غالباً حول نوى المصاعد والخدمات، بينما توضع الإطارات ذات الكمرات العميقة نسبياً في محيط المبنى. التفاعل بين الجدران والإطارات يقلل الانحرافات الجانبية بشكل كبير، مما يجعل هذا النظام اقتصادياً للمباني حتى 50 طابقاً أو أكثر [1].
يعتمد التفاعل الأفقي على الصلابة النسبية للجدران والإطارات وارتفاع المبنى [10]. ينحرف إطار العزوم في الغالب بوضع القص (Shear Mode)، بينما ينحرف جدار القص بوضع الانحناء (Bending Mode) كعنصر ناتئ. يتطلب توزيع قص الرياح على الجدران والإطارات ثبات خصائص الصلابة النسبية على الارتفاع.
٤. أنظمة الجمالونات والركائز (Outrigger Braced Systems)
يتكون هذا النظام من نواة خرسانية رئيسية متصلة بالأعمدة الخارجية بواسطة أعضاء أفقية صلبة (عادةً جدران عميقة بطابق أو طابقين) تُسمى الركائز (Outriggers). قد تكون النواة في موقع مركزي أو على جانب واحد من المبنى [1].
تعمل الركائز على ربط النواة بالأعمدة الخارجية كوحدة واحدة، مما يقلل عزوم الانقلاب الداخلي بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بالنواة الكابولية الحرة [10]. يمكن للأنظمة متعددة المستويات أن توفر حتى خمسة أضعاف مقاومة العزوم للنظام ذي المستوى الواحد، وتستخدم للمباني حتى 70 طابقاً [11].
عند تعرضها لأحمال جانبية، تقاوم الأعمدة المقيدة بالركائز دوران النواة، مما يقلل الانحرافات الجانبية والعزوم الداخلية. لا تُقاوم العزوم الخارجية بانحناء النواة فقط، بل أيضاً بقوى الشد والضغط في الأعمدة الخارجية، مما يزيد العمق الفعال للمقاومة.
٥. نظام الأنبوب المؤطر (Framed-Tube System)
يُعرّف الأنبوب المؤطر بأنه نظام ثلاثي الأبعاد يشمل محيط المبنى بالكامل لمقاومة الأحمال الجانبية [1]. يتطلب هذا النظام وضع أعمدة على الواجهات الخارجية بمسافات صغيرة نسبياً، وربطها بعوارض أو كمرات عميقة، ليعمل المبنى كناتئ رأسي مجوف.
تعمل الإطارات الموازية للحمل الجانبي كأعصاب (Webs)، بينما تعمل الإطارات العمودية كفلانشات (Flanges). عند تعرض المبنى لأحمال جانبية، تتعرض الأعمدة على الجانبين المتقابلين لقوى شد وضغط. ومع ذلك، قد يكون الانجراف الجانبي كبيراً حسب هندسة الأنبوب بسبب تأخر القص (Shear Lag).
اقرأ المزيد: نظام الأنبوب المؤطر
٦. أنظمة الأنبوب المؤطر والمقيد بجمالونات (Trussed Tube Systems)
يحسّن نظام الأنبوب المقيد بجمالونات كفاءة الأنبوب المؤطر من خلال إضافة دعامات قطرية على أوجه المبنى، مما يسمح بمسافات أكبر بين الأعمدة ويزيد من الارتفاع الاقتصادي للمبنى. تعمل الدعامات القطرية على التخلص عملياً من تأثير تأخر القص (Shear Lag) في كل من إطارات الفلانشات والويب [1].
في الأنبوب المؤطر العادي، لا تنتقل القوى المحورية العالية في الأعمدة بشكل فعال حول الزوايا، مما يقلل الكفاءة. أما الأنبوب المقيد بجمالونات فيتصرف وكأنه ناتئ صلب، مع توزيع منتظم لقوى الضغط والشد على الوجوه المقابلة. من الأمثلة البارزة على هذا النظام: مبنى Onterie Center في شيكاغو.
٧. أنظمة الأنبوب المجمعة (الحزمة) – Bundled Tube Systems
يتكون هيكل الأنبوب المجمّع من عدة إطارات صلبة متوازية في كل اتجاه متعامد، مترابطة لتشكيل مجموعة من الأنابيب المجمعة (مثل 4 أو 9 أنابيب). المبدأ مشابه للأنبوب المفرد، لكن بإدخال شبكات داخلية يتم تقليل تأخر القص (Shear Lag) بشكل كبير، مما يسمح بتوزيع أكثر انتظاماً للإجهادات في الأعمدة وتباعد أكبر بينها.
الغرض الرئيسي من هذا النظام هو تقليل تأثير تأخر القص وزيادة الصلابة الجانبية. من أشهر الأمثلة: برج ويليس (سيرز سابقاً) في شيكاغو.
المراجع (References)
[1] Bungale S. T. (2010): Reinforced Concrete Design of Tall Buildings. CRC Press, Taylor and Francis Group
[2] Khan, F.R. (1969): Recent structural systems in steel for high-rise buildings. In Proceedings of the British Constructional Steelwork Association Conference on Steel in Architecture. London.
[3] Ali M.M., and Moon K.S. (2007): Structural developments in tall buildings: Current trends and future prospects. Architectural Science Review 50(3):205-223
[4] Khan, F.R. (1972): Influence of design criteria on selection of structural systems for tall buildings, In Proceedings of the Canadian Structural Engineering Conference. Toronto.
[5] Khan, F.R. (1973): Evolution of structural systems for high-rise buildings in steel and concrete. In J. Kozak (Ed.), Tall Buildings in the Middle and East Europe.
[6] Ali, M.M. (2001): Art of the Skyscraper: The Genius of Fazlur Khan. New York: Rizzoli.
[7] Reddy S.V.B., and Eadukondalu M. (2018): Study of the lateral structural systems in tall buildings. International Journal of Applied Engineering Research 13(15): 11738 – 11754
[8] Zalka K. A. (2013): Structural Analysis of Regular Multi-storey Buildings. CRC Press.
[9] Aginam C.H., Chidolue C.A., and Ubani O.U. (2015): Effect of Planar Solid shear wall-frame arrangement on the deformation behavior of multi-story frames. IOSR Journal of Mechanical and Civil Engineering 12(1):98-105
[10] Sandelin C. and Bujadev E. (2013): The stability of high-rise buildings: An evaluation of the tubed mega frame concept. Uppsala University
[11] Hallebrand E., and Jakobsson W. (2016): Structural design of high-rise buildings. Lund University, Sweden